الشيخ محمد علي طه الدرة
6
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
أوامر اللّه ، واجتناب نواهيه ؛ لأن أصل المادة من الوقاية ، وهي الحفظ والتحرز من المهالك في الدنيا والآخرة ، وانظر ما وصف اللّه به المتقين في أول سورة البقرة ، هذا وأصل اتقوا : ( اتّقيوا ) فحذفت الضمة التي على الياء للثقل ، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين ، ثم قلبت كسرة القاف ضمة لمناسبة واو الجماعة . ذاتَ : مؤنث ذو ، الذي هو بمعنى صاحب ، وقد يثنى على لفظه ، فيقال : ذاتا ، أو ذاتي كذا ، من غير رد لام الكلمة ، وهو القياس ، كما يثنى ذو بذوا ، أو ذوي على لفظه ، ويجوز فيها ( ذواتا ) على الأصل برد لام الكلمة ، وهي الياء ألفا لتحرك العين ، وهو الواو قبلها ، وهو الكثير في الاستعمال ، قال تعالى ذَواتا أَفْنانٍ وقال ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وانظر الآية رقم [ 119 ] من آل عمران تجد ما يسرك . ومعنى وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ الحال التي بينكم أصلحوها بالمودة وترك النزاع ، والمواساة والمساعدة فيما رزقكم ، وتسليم الأمر للّه ورسوله ، هذا و « البين » يطلق على الوصال ، والفراق ، والبعاد ، كما رأيت في الآية رقم [ 94 ] الأنعام . إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ : انظر الإيمان في الآية رقم [ 1 ] الأعراف . هذا ؛ و « السؤال » في هذه الآية سؤال استفتاء : لأن هذا أول تشريع الغنيمة ، و « سأل » تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسؤول ، فيتعدى بعن ، كهذه الآية ، وقد يكون لاقتضاء مال ، ونحوه ، فيتعدى لاثنين ، نحو سألت زيدا مالا . تنبيه : سبب نزول الآية الكريمة وما بعدها اختلاف المسلمين في غنائم بدر : أنها كيف تقسم ؟ ومن يقسم له : المهاجرون ، أو الأنصار ؟ وقيل : شرط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لمن كان له عناء أن ينفله ، فتسارع شبانهم إلى القتال حتى قتلوا سبعين رجلا من المشركين ، وأسروا سبعين منهم ، ثم طلبوا ما شرط لهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من العطية ، وكان المال المكتسب من المشركين قليلا ، فقال الشيوخ ، والوجوه الذين كانوا عند الرايات مرابطين : إنا كنا ردءا لكم ، وفئة تنحازون إليها ، فنزلت الآية الكريمة ، فبينت : أن الغنائم للّه ورسوله يجعلانها حيث شاءا ، واللّه قد وكل إلى نبيه أمر تقسيمها ، فهو يمتثل أمر اللّه فيها ، فقسمها بينهم على السواء ، وانظر الآية رقم [ 42 ] الآتية ، فإنها ناسخة لحكم هذه الآية ، وهذه الآية ناسخة لشرع من كان قبلنا ؛ حيث كانت الغنائم محرمة عليهم ، إذا هذه الآية ناسخة من وجه ، ومنسوخة من وجه . تأمل ، وتدبر ، وربك أعلم . الإعراب : يَسْئَلُونَكَ : فعل وفاعل ومفعول به ، وفاعل السؤال يعود إلى معلوم ، وهو من حضر بدرا . عَنِ الْأَنْفالِ : متعلقان بالفعل قبلهما ، وهما المفعول الثاني ، وقيل : عَنِ صلة ، والأنفال مجرور لفظا ، منصوب محلا ، وأيد بقراءة سعد بن أبي وقاص ، وابن مسعود ، وعلي بن الحسين وغيرهم ، رضي اللّه عنهم أجمعين ( يسئلونك الأنفال ) بدون عن ، والصحيح أن هذه القراءة على إرادة حرف الجر . انتهى . جمل ، نقلا عن السمين ، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها . قُلِ : فعل أمر ، وفاعله مستتر تقديره : « أنت » . الْأَنْفالِ : مبتدأ .